القصة بين الأسطورة والفشل- قوة الاختيار لا الظروف
المؤلف: أسامة يماني08.29.2025

الكيانات والمؤسسات والدول ما هي إلا حكايات حياة، تستهل رحلتها من لحظة الميلاد، ثم تعبر مراحل النمو والازدهار، أو الانحدار والاضمحلال. هذه الكيانات تشق طريقها في معترك الوجود، متجاوزةً الصعاب والعقبات، ومستفيدةً من فرص الوفرة والسعة، وقادرةً على تحمل الضيق والضعف، مستعينةً بالعوامل المحفزة ومتجنبةً المثبطة. كل قصة من هذه القصص تمثل سفرًا مشوقًا، يفصح عن خبايا النجاح والإخفاق، والتحدي والضياع، بكل تفاصيلها وعناصرها. فكما يترنم الشعراء العظام بأبيات شعرهم الخالدة، يبدع كتّاب القصة المرموقين في سرد الروايات الشائقة والفلسفات العميقة والمفاهيم الجوهرية، التي نستلهم منها الدروس والعبر، ونستمد منها الصور الإنسانية والحياتية الثرية، التي قد تغيب عن أذهان البعض، بل وربما عن أصحابها وأبطالها، أو غيرهم من المشاركين الفاعلين أو الثانويين. وذلك لأنهم غارقون تحت وطأة الضغوط، وفي خضم دوامة الحياة المتسارعة، يكادون يفقدون القدرة على رؤية الأشياء القريبة منهم، أو التي يمتلكونها في رحلتهم المضنية لبناء حياتهم، أو سعيهم الحثيث نحو الأفضل، وفقًا لقناعاتهم التي تشكلت بفعل البيئة التي نشأوا فيها، والتي قد يعجزون عن التحرر من تأثيرها العميق.
السؤال الذي يطرح نفسه: هل نحن، كأفراد أو مجتمعات، نصنع أقدارنا بأيدينا؟ أم أننا في واقع الأمر ننفذ ما خطته لنا الأحداث والأقدار؟ إن القدرات الجسدية، والمكانة الاجتماعية، والعديد من التفاصيل الدقيقة التي تشكل أحداث القصة، غالبًا ما نجدها إما موروثة أو نتاج مباشر لبيئة بطل القصة. بمعنى آخر، إن هذه المكونات الأساسية لا تعود بأي فضل لبطل القصة، ولا يد له في وجودها. إذن، ما هو العامل الذي يصنع الفارق الحقيقي؟ الجواب يكمن في قدرة بطل القصة على التحرر من قيود الرتابة، وتجاوز ما تمليه عليه طبائع الأشياء. فإذا ما بقي الإنسان أسيرًا لمحيطه، وموروثه، ورغباته الآنية، فلن تكون قصته ذات نهاية سعيدة، بل ستكون مشابهةً للعديد من قصص الفشل والاضمحلال والذبول التي لا تجذب الجمهور، ولا تخلدها الأساطير. فالشخص الذي يعشق مدينته بجنون، يختزل العالم بأسره في حدود تلك المدينة الضيقة. بينما الإسكندر الأكبر، الذي بنى الإسكندرية بعيدًا عن موطنه مقدونيا، كان يطمح إلى أن يصبح أسطورةً وبطلًا عظيمًا تهابه الجماهير ويذكره التاريخ باحترام وإجلال، لذلك وجه نظره نحو آفاق أبعد وأرحب. وعلى النقيض من ذلك، نجد قصة قائد جيش الاتحاد الأمريكي، مكليلان، الذي أهمل القدرات الهائلة التي كانت متاحة له. هذا الفشل الذريع حدث على الرغم من أن مكليلان كان قائدًا منظمًا، وتمكن من تكوين جيش قوي عُرف باسم جيش بوتوماك. غير أن العيب الرئيسي الذي شابه مكليلان، كان ميله المفرط إلى المبالغة في تقدير قوة جيش العدو، والتقليل من شأن قوة جيشه. ونتيجة لهذا التردد المزمن، أضاع مكليلان فرصة ذهبية لتحقيق نصر ساحق للاتحاد، كان من شأنه أن يغير مسار الحرب. وقد تسبب تدخله المتردد وتقديراته الخاطئة لقوة العدو في فشله الذريع، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى إقالته من منصبه.
إذًا، الفرق الجوهري بين الأسطورة والفشل لا يكمن في الظروف المحيطة، بل في طريقة التفكير والمنظور الذي نتبناه. فالإسكندر الأكبر لم يكن ليصبح عظيمًا لو بقي يحلم داخل أسوار مقدونيا الضيقة، بل صنع مجده الخالد بنظرته الثاقبة لما وراء الأفق، وبإيمانه الراسخ بقدرته على تحدي المستحيل. بينما مكليلان، على الرغم من كل الإمكانيات الهائلة التي كانت تحت تصرفه، ظل سجينًا لشكوكه وهواجسه، فكانت هزيمته من صنع يديه.
فعندما يعجز الإنسان عن إدراك القوة الكامنة بداخله، ويسعى عبثًا للبحث عن القوة في أماكن بعيدة ومنعزلة، تكون الهزيمة حتمية لا مفر منها. فالإنسان يُهزم أولاً من داخله، قبل أن يهزمه أي شيء آخر. إذن، أين تكمن القوة الحقيقية إذن؟
إنها تكمن في العقل المتفتح الذي يرفض أن يكون مجرد صدى للظروف المحيطة، وفي الإرادة الصلبة التي تشق طريقها بعزيمة وثبات عبر رياح اليأس والإحباط. القوة الحقيقية تكمن في القدرة على تحويل الموارد المتاحة – مهما بدت ضئيلة ومتواضعة – إلى سلاح فعال لتحقيق الانتصار. فالتاريخ لا يكتبه أولئك الذين ينتظرون الظروف المثالية، بل يكتبه أولئك الذين يصنعون الظروف بأنفسهم، حتى لو بدأوا رحلتهم من نقطة الصفر. إن القوة الحقيقية تكمن في الاختيار الواعي والمستنير، لا في مجرد الاستسلام للظروف القاهرة. ففي كل لحظة من لحظات حياتنا، تلوح أمامنا خيارات متعددة، لا يجوز حصرها في مكان محدد أو نوع معين أو شكل نمطي أو طريقة تقليدية.
إن كل فرد، وكل جماعة، وكل أمة، قادرة على أن تكتب قصتها بجرأة وإقدام، وأن لا تترك مصيرها رهنًا للظروف المتغيرة أو لتقديرات الآخرين. فالحياة ليست سوى رواية مفتوحة، يستطيع كل فرد أو جماعة أن يحولها إلى ملحمة خالدة تتردد أصداؤها عبر الأجيال، أو مجرد صفحة باهتة تُطوى وتُنسى مع مرور الزمن.
السؤال الذي يطرح نفسه: هل نحن، كأفراد أو مجتمعات، نصنع أقدارنا بأيدينا؟ أم أننا في واقع الأمر ننفذ ما خطته لنا الأحداث والأقدار؟ إن القدرات الجسدية، والمكانة الاجتماعية، والعديد من التفاصيل الدقيقة التي تشكل أحداث القصة، غالبًا ما نجدها إما موروثة أو نتاج مباشر لبيئة بطل القصة. بمعنى آخر، إن هذه المكونات الأساسية لا تعود بأي فضل لبطل القصة، ولا يد له في وجودها. إذن، ما هو العامل الذي يصنع الفارق الحقيقي؟ الجواب يكمن في قدرة بطل القصة على التحرر من قيود الرتابة، وتجاوز ما تمليه عليه طبائع الأشياء. فإذا ما بقي الإنسان أسيرًا لمحيطه، وموروثه، ورغباته الآنية، فلن تكون قصته ذات نهاية سعيدة، بل ستكون مشابهةً للعديد من قصص الفشل والاضمحلال والذبول التي لا تجذب الجمهور، ولا تخلدها الأساطير. فالشخص الذي يعشق مدينته بجنون، يختزل العالم بأسره في حدود تلك المدينة الضيقة. بينما الإسكندر الأكبر، الذي بنى الإسكندرية بعيدًا عن موطنه مقدونيا، كان يطمح إلى أن يصبح أسطورةً وبطلًا عظيمًا تهابه الجماهير ويذكره التاريخ باحترام وإجلال، لذلك وجه نظره نحو آفاق أبعد وأرحب. وعلى النقيض من ذلك، نجد قصة قائد جيش الاتحاد الأمريكي، مكليلان، الذي أهمل القدرات الهائلة التي كانت متاحة له. هذا الفشل الذريع حدث على الرغم من أن مكليلان كان قائدًا منظمًا، وتمكن من تكوين جيش قوي عُرف باسم جيش بوتوماك. غير أن العيب الرئيسي الذي شابه مكليلان، كان ميله المفرط إلى المبالغة في تقدير قوة جيش العدو، والتقليل من شأن قوة جيشه. ونتيجة لهذا التردد المزمن، أضاع مكليلان فرصة ذهبية لتحقيق نصر ساحق للاتحاد، كان من شأنه أن يغير مسار الحرب. وقد تسبب تدخله المتردد وتقديراته الخاطئة لقوة العدو في فشله الذريع، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى إقالته من منصبه.
إذًا، الفرق الجوهري بين الأسطورة والفشل لا يكمن في الظروف المحيطة، بل في طريقة التفكير والمنظور الذي نتبناه. فالإسكندر الأكبر لم يكن ليصبح عظيمًا لو بقي يحلم داخل أسوار مقدونيا الضيقة، بل صنع مجده الخالد بنظرته الثاقبة لما وراء الأفق، وبإيمانه الراسخ بقدرته على تحدي المستحيل. بينما مكليلان، على الرغم من كل الإمكانيات الهائلة التي كانت تحت تصرفه، ظل سجينًا لشكوكه وهواجسه، فكانت هزيمته من صنع يديه.
فعندما يعجز الإنسان عن إدراك القوة الكامنة بداخله، ويسعى عبثًا للبحث عن القوة في أماكن بعيدة ومنعزلة، تكون الهزيمة حتمية لا مفر منها. فالإنسان يُهزم أولاً من داخله، قبل أن يهزمه أي شيء آخر. إذن، أين تكمن القوة الحقيقية إذن؟
إنها تكمن في العقل المتفتح الذي يرفض أن يكون مجرد صدى للظروف المحيطة، وفي الإرادة الصلبة التي تشق طريقها بعزيمة وثبات عبر رياح اليأس والإحباط. القوة الحقيقية تكمن في القدرة على تحويل الموارد المتاحة – مهما بدت ضئيلة ومتواضعة – إلى سلاح فعال لتحقيق الانتصار. فالتاريخ لا يكتبه أولئك الذين ينتظرون الظروف المثالية، بل يكتبه أولئك الذين يصنعون الظروف بأنفسهم، حتى لو بدأوا رحلتهم من نقطة الصفر. إن القوة الحقيقية تكمن في الاختيار الواعي والمستنير، لا في مجرد الاستسلام للظروف القاهرة. ففي كل لحظة من لحظات حياتنا، تلوح أمامنا خيارات متعددة، لا يجوز حصرها في مكان محدد أو نوع معين أو شكل نمطي أو طريقة تقليدية.
إن كل فرد، وكل جماعة، وكل أمة، قادرة على أن تكتب قصتها بجرأة وإقدام، وأن لا تترك مصيرها رهنًا للظروف المتغيرة أو لتقديرات الآخرين. فالحياة ليست سوى رواية مفتوحة، يستطيع كل فرد أو جماعة أن يحولها إلى ملحمة خالدة تتردد أصداؤها عبر الأجيال، أو مجرد صفحة باهتة تُطوى وتُنسى مع مرور الزمن.